وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل تجاوز دولة الإمارات مرحلة النقاش حول جدوى الذكاء الاصطناعي للشركات والمؤسسات، وانتقالها إلى مرحلة التطبيق الفعلي واسع النطاق. ففي مطلع عام 2026، أعلنت دولة الإمارات عن إطار عمل هو الأول من نوعه عالمياً لتوظيف الذكاء الاصطناعي الوكيل في 50% من القطاعات والعمليات الحكومية خلال عامين. كما تمضي أبوظبي بخطى متسارعة نحو أن تصبح أول حكومة تعتمد بصورة كاملة على الذكاء الاصطناعي في خدماتها الرقمية بحلول عام 2027. وأمام هذه الطموحات، بات مديرو تقنية المعلومات مطالبين بترجمة هذه الرؤى والتوجهات الاستراتيجية إلى واقع ملموس.
تساؤلات جوهرية حول البنية التقنية
تحتاج معظم المؤسسات في المنطقة إلى تقديم إجابات واضحة عن ثلاثة تساؤلات رئيسية تطرحها مجالس إداراتها: أين تُخزَّن البيانات الحساسة، وأين تتمركز آليات اتخاذ القرار التي تستند إليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟ ومن يمتلك القدرة على تشغيل المنظومة التقنية ومراجعتها واستعادتها عند حدوث أعطال، بصورة مستقلة ودون الحاجة إلى انتظار تدخل أنظمة التحكم والإدارة التابعة لجهات خارجية؟ وإذا اقتضت الحاجة تغيير نموذج الذكاء الاصطناعي أو مزود الخدمة أو موقع التشغيل خلال فترة زمنية معقولة، فهل يمكن إنجاز ذلك ضمن الإجراءات التشغيلية الاعتيادية، أم يتطلب إعادة تصميم العمليات المؤسسية بصورة شاملة؟
وتأتي هذه التساؤلات في سياق تعزيز الاستفادة من الحوسبة السحابية والابتكار، إذ توفر المنصات السحابية العامة العالمية وخدمات الذكاء الاصطناعي واسعة الانتشار بيئاتٍ مثالية للتجارب السريعة، إلى جانب قدرات حوسبة قابلة للتوسع وفقاً للاحتياجات. ولضمان استدامة هذه المزايا، من المهم تقييم مدى ملاءمة المنصة المستخدمة في المراحل التجريبية الأولى لاستضافة جميع أعباء عمل الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل. فالارتباط الوثيق بين نماذج الذكاء الاصطناعي ومنطق العمليات المؤسسية وآليات اتخاذ القرار، وبين خدمات يصعب نقلها أو استبدالها وينفرد بتقديمها مزود واحد، قد يحدّ من المرونة والخيارات التقنية والتشغيلية المتاحة.
خطة عمل لمديري تقنية المعلومات
1. تصنيف البيانات والامتثال للمتطلبات التنظيمية
تصنيف البيانات وتنظيمها وفقاً للمتطلبات التنظيمية ومعايير الحوكمة، مع ضمان الالتزام الصارم بها. ورغم استمرار التحديات المرتبطة بربط البيانات المتفرقة والأنظمة التقنية القديمة بحلول الذكاء الاصطناعي الحديثة، فإن ضمان جودة البيانات وإخضاعها لضوابط رقابية صارمة يمثلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق النجاح.
2. الحوكمة والرقابة على مستوى بيئات التشغيل الفعلية
تقييم المتطلبات المتعلقة بالأمن والضوابط الوقائية وإمكانية تتبُّع العمليات وتفسير القرارات وقابلية التدقيق، بما يضمن التوافق مع متطلبات الامتثال. ونظراً لقدرة الذكاء الاصطناعي الوكيل على تنفيذ مهام بالغة الحساسية، مثل الوصول إلى قواعد البيانات والموافقة على المدفوعات وإجراء تعديلات على الأنظمة الخاضعة للرقابة التنظيمية، فإنَّ استخدامه يستلزم تطبيق ضوابط صارمة، وإخضاع عملياته للمراقبة المستمرة والتدقيق.
3. اقتصاديات الرموز البرمجية وخيارات البنية التحتية وتحقيق القيمة
تحقيق التوازن بين المتطلبات التقنية الأساسية، بما فيها الأمن والامتثال وقابلية تفسير القرارات وغيرها، والاعتبارات العملية، مثل تكاليف الرموز البرمجية (Tokens)، ومدى توافر وحدات معالجة الرسومات في مراكز البيانات التابعة للمؤسسة أو لدى مزودي الخدمات السحابية السيادية، إلى جانب مستوى مهارات الذكاء الاصطناعي لدى فرق العمل، بما يضمن تحقيق قيمةٍ ملموسة وقابلة للقياس للأعمال.
4. وضع استراتيجيات مدروسة للانتقال وضمان المرونة المعمارية
الحفاظ على القدرة على الانتقال بين نماذج الذكاء الاصطناعي ومقدمي الخدمات والمكونات التقنية المختلفة، من خلال الحدّ من الارتباط بمورد تقني محدد (Vendor Lock-in) أو منظومة تقنية بعينها. ومع التطور المتسارع الذي يشهده الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية مراعاة قابلية النقل والاستبدال منذ مراحل التصميم الأولى، بما يحافظ على مرونة المؤسسات مع تطور احتياجاتها.
5. الاستثمار في الكفاءات وبناء قدرات سيادية في مجال الذكاء الاصطناعي
الاستثمار في استقطاب الكفاءات وتطوير مهاراتها لتمكينها من بناء منصة ذكاء اصطناعي سيادية ونشرها وصيانتها، بما يتيح للفرق توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي بأمان وبسرعة تواكب تطورات السوق.
وفي جميع هذه المجالات، تشكل البرمجيات مفتوحة المصدر والنماذج ذات الأوزان المفتوحة أساساً موثوقاً لمنصة ذكاء اصطناعي مؤسسية، توفر إمكانية الفحص والتدقيق الكاملين، وإمكانية التبديل السلس بين الحلول المختلفة، وتعزيز التحكم في البنية المعمارية والحفاظ على مرونة الخيارات التقنية.
كيف يبدو التطبيق العملي الأمثل لهذه المبادئ؟
في القطاع المصرفي، يتفاوت تبني الذكاء الاصطناعي بحسب طبيعة حالة الاستخدام؛ فالمهام غير الخاضعة للتنظيم، مثل المساعدات الصوتية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء، تعتمد على مزودي خدمات متخصصين في تقنيات الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط. وعلى النقيض من ذلك، تتطلب الأنظمة، مثل أنظمة كشف الاحتيال التي تتفاعل مع النظام المصرفي الأساسي للبنك (Core Banking System)، بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تُشغَّل داخل مقر البنك (On-Premises)، وتعتمد على نماذج مفتوحة الأوزان (Open-Weight Models) يجري ضبطها بدقة لتحسين كفاءة الاستدلال ودقة النتائج.
وفي قطاع الرعاية الصحية، تكون المتطلبات التنظيمية المتعلقة بتصنيف البيانات وأمنها أكثر صرامة، إذ تشترط الجهات التنظيمية أن تتمتع جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي بسجلات تدقيقٍ شاملة، وقابلية تتبع العمليات، والقدرة على تفسير مخرجاتها.
وتُشغل بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن منصات خدمات سحابية سيادية محلية، طور مزودوها ضوابط سيادية مخصصة لتلبية المتطلبات الخاصة بهذه القطاعات. في حين قد تتطلب تطبيقات أخرى بنية تحتية محلية داخل المستشفى، تعتمد على نماذج لغوية صغيرة مفتوحة الأوزان، جرى تدريبها لتلبية هذه المتطلبات المحددة.
في قطاع الطاقة، يمكن لإدارة تقنية المعلومات أن تتولى مركزيًا اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي وإتاحتها للاستخدام عبر منصات الحوسبة السحابية الهجينة، مع توسيع نطاق تشغيلها وفقًا لحجم الطلب. كما تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام المتكررة وكثيفة البيانات، مثل تحليل بيانات الحفر والمنشآت الصناعية، بما يساعد المهندسين على إنجاز مهامهم بسرعة تعادل نحو عشرة أضعاف السرعة المعتادة.
في جميع هذه السياقات، تتمثل معايير تقييم أداء مدير تقنية المعلومات (CIO) في الوقت اللازم للانتقال من مزود خدمة إلى آخر، وحجم أعمال إعادة التطوير المطلوبة لذلك، ومدى قدرة فرق العمل الداخلية على تشغيل مكونات المنظومة التقنية، وسرعة تقديم توضيحات موثقة للجهات الرقابية عند الحاجة.
وتيرة متسارعة وضوابط راسخة
تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة ببنيةٍ تحتيةٍ رقميةٍ متقدمة، واستثماراتٍ ضخمة في الذكاء الاصطناعي، وقاعدة واسعة من الكفاءات والمواهب، فضلاً عن وتيرة سريعة لتبني هذه التقنيات في المؤسسات العاملة بمختلف القطاعات الرئيسية. وتوفر هذه البيئة حافزاً قوياً لمدراء تقنية المعلومات لتصميم بنى معمارية تتيح سرعة التنفيذ، مع الحفاظ على المرونة والاستدامة على المدى الطويل.
يتحدد النضج الحقيقي في مجال الذكاء الاصطناعي بمدى القدرة على توسيع نطاق حالات الاستخدام ذات القيمة المضافة في بيئات الإنتاج، مع الحفاظ على السيطرة التشغيلية. ويعتمد النجاح على المدى الطويل على الاحتفاظ بالملكية الاستراتيجية مع تطور النماذج وتغير مشهد الموردين ومزودي الخدمات. وتمثل السيادة التشغيلية الأساس الذي يتيح سرعة التنفيذ مع الإبقاء على المرونة في اختيار التقنيات وتكييفها مع المتطلبات المتغيرة.